« إن الوضع الحالي لحرية الصحافة في سوريا ليس مثالياً، بلا شك. ولكن على الأقل، لم نعد اليوم نخاف! » كلمات تحمل دلالات عميقة، تعكس عقوداً من القمع الذي تعرض له الصحفيون، وقد قيلت خلال لقاء « أيّ حرية للصحفيين في سوريا؟ » الذي نُظّم في 27 مايو في معهد العالم العربي من قبل برنامج “بوصلة” الإعلامي، المنفّذ من قبل شبكة أريج وجمعية “صحافة ومواطنة”، والمموّل من قبل الاتحاد الأوروبي – المديرية العامة لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. هذه العبارة وحدها تلخّص جوهر النقاشات: بين الحذر والوضوح والأمل. فقد اجتمع صحفيون سوريون وممثلون عن منظمات إعلامية وجهات مؤسساتية لمناقشة موضوع طالما كان من الصعب التطرق إليه بحرية: مستقبل حرية التعبير والصحافة في سوريا التي تمرّ بمرحلة انتقالية.

ووفقاً للمتحدثين، فإن سقوط النظام فتح مساحة غير مسبوقة للتعبير، رغم أن هذه المساحة لا تزال هشة. يقول الصحفي السوري وممثل اتحاد الصحفيين السوريين محمود أبو راس: « الوضع انتقالي، لا شيء مثالياً، لكن هناك تقدّم ». وأكد أنه كان من غير المتصور سابقاً أن يُبثّ برنامج ينتقد بشكل صريح النظام أو الواقع السياسي في وسيلة إعلام رسمية سورية، مضيفاً: « اليوم أصبح ذلك واقعاً، وهذا أمر ثمين ».

تحديات…
يرى عدد من المشاركين أن هذا الانفتاح حديث نسبياً ولا يزال غير مستقر. وتقول الصحفية السورية يارا بدر: « ليس لدينا تاريخ أو خبرة حقيقية مع حرية الصحافة أو حتى مع ممارسة الصحافة المستقلة بشكل عام ». وهو ما يسلّط الضوء على حجم التحديات التي يواجهها الإعلاميون السوريون بعد عقود من السيطرة والرقابة والقمع.
ورغم التقدم الملحوظ، لا تزال العقبات كثيرة. فقد تركزت النقاشات على غياب تنظيم حقيقي لقطاع الإعلام، إضافة إلى القوانين التي يُنظر إليها على أنها قديمة ومقيدة، واستمرار العمل بتشريعات الجرائم الإلكترونية التي لم تُعدّل منذ سقوط النظام. ووفقاً لعدد من المتحدثين، فإن هذه القوانين ما زالت تتيح أشكالاً من التجاوزات والتقييد والمنع.
كما أشار المشاركون إلى التعقيدات الإدارية والصعوبات التي تواجه منظمات المجتمع المدني، والتي لا تزال تجد صعوبة في الحصول على التراخيص أو الدعم الفعلي. كما تم اعتبار تصاعد خطاب الكراهية، أحياناً حتى في بعض الفضاءات العامة أو الرقمية، تهديداً خطيراً للتماسك الاجتماعي وتعددية الإعلام.
أما وضع الصحفيات السوريات فقد حضر بشكل خجول لكنه مهم في النقاشات. فبينما توجد اليوم بعض برامج التدريب والتمكين، تم التأكيد على أن الفرص الفعلية لتمكين النساء من الوصول إلى مواقع القرار داخل المؤسسات الإعلامية لا تزال محدودة جداً. وتساءلت لوجين حاج يوسف، المديرة التنفيذية لإذاعة روزنة السورية: « كيف يمكن ضمان حرية حقيقية للصحافة في سوريا بينما يبقى طرف أساسي غائباً إلى حد كبير عن المشهد الإعلامي، وهو الصحفيات السوريات؟ ولا يتعلق الأمر فقط بحضورهن في غرف الأخبار أو في الإنتاج الإعلامي، بل أيضاً بوصولهن إلى مواقع صنع القرار. فكيف يمكن بناء سياسات شاملة وحساسة لقضايا النوع الاجتماعي إذا كانت المعنيات أنفسهن غائبات عن النقاش وعن مراكز القرار؟ »

وأيضاً أمل…
إلى جانب هذه التحديات، سلّط اللقاء الضوء على التقدم المحقق خلال السنوات الأخيرة. فقد أشار جوناثان داغيه، ممثل منظمة مراسلون بلا حدود، إلى تحسن ترتيب سوريا في التصنيف العالمي لحرية الصحافة، معتبراً أن هذا التقدم يعود بدرجة كبيرة إلى الجهود الاستثنائية التي يبذلها الصحفيون السوريون أنفسهم، وإلى تضحياتهم، إذ فقد العشرات حياتهم، وتعرض آخرون لانتهاكات خطيرة، فيما اضطر الكثيرون إلى مغادرة بلدهم حفاظاً على حياتهم وحياة أسرهم.
ويندرج هذا اللقاء، المنظم في إطار برنامج “صحافة MED II”، ضمن دينامية أوسع لدعم الحوار الإعلامي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وخلال كلمته الافتتاحية، ذكّر ماركو تاسّوني، مسؤول برنامج حرية الإعلام والديمقراطية في المفوضية الأوروبية، بأن حرية التعبير وحرية الإعلام تظلان في صميم المبادئ الديمقراطية التي يدافع عنها الاتحاد الأوروبي.
كما شدد على أن وجود بيئة إعلامية حيوية ضروري لضمان فضاء مفتوح وشامل للحوار، خاصة في إطار “ميثاق المتوسط” وبرامج الاتحاد الأوروبي لدعم الإعلام المستقل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

واليوم تبدو سوريا أمام منعطف حقيقي. فهل ستتمكن فعلاً من المضي قدماً على طريق حرية التعبير والصحافة، والأهم من ذلك الحفاظ على هذا الزخم على المدى الطويل؟ لا يزال العديد من الصحفيين السوريين يؤمنون بذلك رغم العقبات والشكوك. لكن يبقى ضرورياً الحفاظ على الوحدة والتضامن من أجل بناء مشهد إعلامي موثوق وتعددي ومستقل.
وفي هذا السياق، تبدو مثل هذه اللقاءات التي نُظّمت في معهد العالم العربي ضرورية، إذ تتيح تبادل وجهات نظر مختلفة بشكل بنّاء وسليم، وتمكّن الصحفيين السوريين من خلفيات متنوعة من مشاركة تجاربهم وهواجسهم وتطلعاتهم للمستقبل. وكما ذكّر ماركو تاسّوني خلال الفعالية، فإن دعم الإعلام السوري المستقل يظل أمراً أساسياً لمكافحة التضليل، وتعزيز النقاش العام، ومواكبة المسار نحو إعادة بناء ديمقراطي في البلاد.
سوريا
إيران
الإمارات العربية المتحدة
البحرين
العراق
الكويت
المملكة العربية السعودية
اليمن
عمان
قطر